عبد الله الأنصاري الهروي

583

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

عند أهل التّفرقة إلّا بالأدلّة هي حجج ، فما تثبت عندهم قضيّة إلّا بحجّة ، فعلّقوا القضايا بالحجج ، ونسوا أنّ تعلّقها إنّما هو بالحقّ ، وثبوتها إنّما هو بالحقّ . قوله : والأحكام بالعلل هي مثل القضايا ، والعلل هي الأسباب ، وأهل التّفرقة ينسبون الأشياء إلى عللها ، ويحجبون عن أنّ نسبتها إنّما هو للحقّ تعالى . قوله : والانتقام بالجنايات ، أي يجعلون سبب الانتقام هو الجناية ، وينسون أنّ الجناية والانتقام كلاهما يرجعان إلى فعل الحقّ تعالى لا إلى غيره . قوله : والمثوبة بالطّاعة ، يعني ويرون أنّ المثوبة مثل الجنّة مثلا إنّها إنّما تحصل بالطّاعة ويحجبون عن أنّ الجنّة والمثوبة لا تحصل إلّا برحمة اللّه تعالى . قوله : وأخفى الرّضا والسّخط اللّذين يوجبان الوصل والفصل ، يعني أنّ الحقّ تعالى لمّا لبّس عليهم الأمر بما ذكره من المثوبة والانتقام ، أخفى السّبب الصّحيح عنهم وهو الرّضا والسّخط ، فإنّ الرّضا هو الذي أوجب المثوبة لا الطّاعة ، والرّضا هو صفة الحقّ تعالى ، والسّخط هو الذي أوجب الانتقام لا الجناية ، فأخفى عن خلقه هذين السببين ، وأظهر لهم أسبابا أخر علّقوا الأحكام عليها ، وهو تلبيس من الحقّ تعالى عليهم ، ومعنى يوجبان الوصل ، أي المثوبة ، والفصل أي العقوبة ، فإنّ العقوبة كلّها في الفصل الذي هو الحجاب والبعد ، إذ ليس العذاب إلّا منه . قوله : ويظهران السّعادة والشّقاوة ، يعني الرّضا والسّخط ، أمّا الرّضا فيظهر السّعادة التي سبقت ، وأمّا السّخط فيظهر الشّقاوة التي سبقت لهم .